سهيلة عبد الباعث الترجمان

592

نظرية وحدة الوجود بين ابن عربي والجيلي

بذور التجديد والابتكار . وبما صوّر به هذا الإنسان الكامل من حقائق تفرّد بها عن غيره من الباحثين في هذا المجال « 1 » . وهكذا فإن مذهب الجيلي يظهر لنا متكاملا لا تنقصه الدقّة ، ولا يعوزه العمق ، بل يجمع فيه بين الذوق والكشف ، وبين القلب ومواجيده ، فغدا بذلك مصدرا هاما لنظريته في وحدة الوجود . وسوف نناقش في القسم الأول من هذا الفصل معنى الوحدة ومعنى الوجود ، محاولين أن نلمّ بجميع آرائه وأفكاره في المسائل المختلفة التي يعالجها مذهب وحدة الوجود ، وكذلك المصطلحات التي يستخدمها للتعبير عن ذلك . كما أنا سنلقي الضوء على ما يدور عليه هذا المذهب من أنه وحدة قائمة بين وجهين ، وجه حقي ووجه خلقي ، وهو ما يعرف عنده بالحقيقة الوجودية ، وسنحاول الإشارة هنا إلى طبيعة هذه الوحدة ، وهل هي وحدة تفسح مجالا للقول بالممكن تجاه الواجب ، أم ينتفي معها وجود الممكن . أما القسم الثاني من هذا الفصل فسنوضح فيه تصور الجيلي للوجود : هل هو وجود مطلق أم مقيد ، كذلك طبيعية هذا الوجود وكيف أنها تدور على ثلاثة محاور هي : الذات والصفات ثم الأسماء ، لكنه يعود فيخرج هذا الوجود المطلق عن إطلاقه فيمر بمراحل هي : الأحدية والهويّة والإنيّة ، وقد تفرد باستخدام مصطلح التنزلات ليدل على تجلي الذات الذي يتجلى به الحق على الخلق بأسمائه وصفاته . كما يرد الكثرة إلى الوحدة ، ويبين مدى العلاقة بين اللّه والعالم باعتبارهما وجهي الحقيقة الوجودية ، وهذا يستلزم وجود الواسطة بينهما ، وهي ما يشير بها إلى الإنسان الكامل أو الحقيقة المحمدية من حيث هي برزخ بين وجهي الحقيقة الوجودية . كما أننا سنبحث في أمر الذات وهل هي قديمة أم حادثة مما يستوجب معه البحث عن الأعيان الثابتة في العلم الإلهي ، باعتبارها حقائق الموجودات الباطنة في علمه تعالى أو في عالم الغيب . ولا بد من البحث عن فكرة الزمان والمكان وهل ترتبط بذلك مما يؤدي في النهاية إلى القول بالجبرية وانعدام حرية التصوف لدى العبد .

--> ( 1 ) T . Burckhardt , de L , homme universeI , Fascicule II , Alger , Lyon , 1953 , P . P . 1 - 2 . .